أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
13
شرح مقامات الحريري
بسم اللّه الرحمن الرحيم الصّدر اللّهم إنا نحمدك على ما علّمت من البيان ، وألهمت من التّبيان ، كما نحمدك على ما أسبغت من العطاء ، وأسبلت من الغطاء . * * * اللهم إنا نحمدك ؛ اللهم اسم خصصته الميم المشددة في آخره بنداء البارئ سبحانه ، والتزم معها حذف حرف النداء لوقوع الميم خلفا عنه ، ولمحلّ اللام في أوله ، أنه لا يلي حرف النداء لام التعريف إلا في قولهم : « يا اللّه » ؛ لتكون اللام الزائدة نائبة عن حرف أصليّ ، وهي همزة « إله » ، فصارت كالأصليّ ، وفي غير هذا الاسم تتجرد اللام للزيادة في أول الأمس . و « يا » « زائدة » في أوله كذلك ، وهما جميعا لتخصيص الاسم وإزالة شياع التنكير عنه ، فلمّا تقاربا في المعنى ، وتشابها في الزيادة ، وطلب كل واحد منهما أن يلي الاسم دون صاحبه ، ترك استعمال الجمع بينهما في أول الاسم إلا في ضرورة الشاعر لإقامة الوزن ، وأما اللام في قولهم : « يا اللّه » فلما كانت نائبة عن حرف أصلي خفيت زيادتها ، فلما زادوا الميم في آخره فضحت اللام وشهرت معنى الزيادة ، فامتنعت « يا » من أوله إلا عند الضرورة كامتناعها في الرجل والغلام ؛ فلما كانت الميم هي الموجبة لمنع « يا » حمّل الاسم معها معنى « يا » فصار مختصا بالنداء ممتنعا من غيره . ونحمدك ، معناه نثني عليك بأتم وجوه الثناء كلها ، فيدخل تحته الشكر ، والشكر ثناء يقابل به معروف ، وفي الحديث : « الحمد رأس الشكر فمن لم يحمد اللّه لم يشكره » « 1 » والحمد ذكر الرجل بما فيه من صفات جليلة ، والشكر ذكره بما له من أفعال جزيلة ، من قولهم : دابة شكور ، إذا ظهر بها من السمن فوق ما تأكل من العلف ويقال : أشكر من بروقة ، وهي شجرة معروفة تخصب بأدنى مطر ؛ ويؤكد الفرق بينهما أن الحمد في مقابلة الذم والشكر في مقابلة الكفر فاختلاف نقيضيهما دليل على اختلافهما في أنفسهما . البيان : وضوح المعنى وظهوره ، والتبيان : تفهم المعنى وتبينه ، والبيان منك
--> ( 1 ) أخرجه الطبراني في الجامع الصغير 1 / 260 .